عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

235

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

ثم رأيت في هذه السماء عجائب من آيات الرحمن وغرائب من أسرار الأكوان لا يسعنا إذاعتها في أهل هذا الزمان ، فتأمل فيما أشرناه وتفكر فيما لغزناه ومن وجودك لا من خارج عنك ، فاطلب حلّ ما قد رمزناه . وأما السماء الثالثة فلونها أصفر وهي سماء الزهرة ، جوهرها شفاف وأهلها المتلوّنون في سائر الأوصاف ، خلقت من حقيقة الخيال وجعلت محلا لعالم المثال ، جعل اللّه كوكبها مظهرا لاسمه العليم ، وجعل فلكها مجلى قدرة الصانع الحكيم ، فملائكتها مخلوقة على كل شكل من الأشكال ، فيها من العجائب والغرائب ما لا يخطر بالبال ، يسوغ فيها المحال وربما امتنع فيها الجائز الحلال ، خلق اللّه دور فلك هذه السماء مسيرة خمس عشرة ألف سنة وستة وثلاثين سنة ومائة وعشرين يوما ، يقطع كوكبها وهو الزهرة في كل ساعة مسيرة ستمائة سنة وإحدى وثلاثين سنة وثمانية عشر يوما وثلث يوم ، فيقطع الفلك في مضيّ أربعة وعشرين ساعة ، ويقطع جميع منازل الفلك الكبير في مسيرة ثلاثمائة يوم وأربعة وعشرين يوما ؛ وملائكة هذه السماء تحت حكم الملك المسمى صورائيل وهو روحانية الزهرة ، ثم إن ملائكتها محيطون بالعالم يجيبون من دعاهم من بني آدم ، رأيت ملائكة هذه السماء مؤتلفة لكن على أنواع مختلفة ، فمنهم من وكله اللّه بالإيحاء إلى النائم إما صريحا وإما بضرب مثل يعقله العالم ؛ ومنهم من وكله اللّه تعالى بتربية الأطفال وتعليمهم المعاني والأقوال ؛ ومنهم من وكله اللّه بتسلية المهموم وتفريح المغموم ؛ ومنهم من وكله اللّه بالناس المستوحشين ومكالمة المتوحدين ؛ ومنهم من وكله اللّه تعالى بإضرام نيران الحبّ للمحبين في سويداء اللبّ ، ومنهم من وكله اللّه بحفظ صورة المحبوب لئلا يغيب عن عاشقه الملهوب ؛ ومنهم من وكله اللّه بإبلاغ الرسائل بين أهل الوسائل . اجتمعت في هذه السماء بيوسف عليه السلام ، فرأيته على سرير من الأسرار كاشفا عن رموز الأنوار عالما بحقيقة ما انعقدت عليه أكلّة الأحبار متحققا بأمر المعاني ، مجاوزا عن قيد الماء والأواني ، فسلمت عليه تحية وافد إليه فأجاب وحيا ثم رحب بي وبيا ، فقلت له : سيدي أسألك عن قولك : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ « 1 » أيّ المملكتين تعني وعن تأويل أيّ الأحاديث تكنى ، فقال : أردت المملكة الرحمانية المودعة في النكتة الإنسانية ، وتأويل الأحاديث : الأمانات

--> ( 1 ) آية ( 101 ) سورة يوسف .